حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان
من تاريخ الأفكار 4-5
من هو العراقي؟
عن قوانين الجنسية الجائرة التي جعلت عائلة الجواهري الكبير تحسب على "التبعية الإيرانية"!
نوري السعيد هو الذي أسس لأحكام الإعدام في العراق بإعدام العقداء الأربعة وقادة الحزب الشيوعي.. لكنه كان سياسياً محنّكاً
بعد ثورة تموز 1958 نسي الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني
لقد كان قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924، غريباً في تحديد من هو العراقي، وترتّبت عليه وشيّدت فوقه منذ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحاضر طائفة من القوانين والقرارات الصادرة فيما بعد، سواءً قانون الجنسية العراقية رقم 43 لعام 1963 وتعديلاته أو قانون الجنسية العراقية رقم 46 لسنة 1990 أو قرارات مجلس قيادة الثورة منذ العام 1968 ولغاية العام 2001.
وحتى صدور الكتاب قبل الاحتلال نشرت الصحافة خبراً عن قرار غريب يسمح بموجبه للمواطنين العراقيين من غير العرب بتعديل قوميتهم إلى القومية العربية، في محاولة لتغيير التركيب الديموغرافي والواقع السكاني. وهو القرار الذي صدر عن مجلس قيادة الثورة برقم 199 في 6 أيلول (سبتمبر) 2001، ولعل مشكلة كركوك اليوم التي تزداد تعقيداً هي امتداد لتلك المشاكل التي ظلّت عالقة، سواءً بوجود المادة 140 من الدستور وقبلها بوجود المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، أو دونها، ناهيكم عن قرارات التهجير سيئة الصيت، لاسيما القرار 666 الصادر في 7 أيار (مايو) 1980 والذي تم على أساسه تهجير الآلاف من العراقيين بحجة التبعية الايرانية المزعومة.
لقد أدّت تلك القوانين والقرارات إلى حرمان شرائح كبيرة من الجنسية العراقية وتم التشكيك في ولائها للعراق، وبخاصة خلال الحرب العراقية – الإيرانية 1980-1988 وارتفاع موجة العداء والكراهية، بحيث تصبح عائلة مثل عائلة الجواهري الكبير، رائد الشعر العربي الكلاسيكي في القرن العشرين والخليلي جعفر القاص الريادي وأخيه الأديب عبد الغني وعائلة الحيدري مهدي، أحد رواد مقاومة الاحتلال البريطاني وغيرهم من التبعية " الإيرانية" وتُعزل وترمى خارج الحدود.
تقويم نوري السعيد
*كان الخروج في تظاهرة 1956 وأنت تهتف بسقوط نوري السعيد والخروج من حلف بغداد والانتصار لمصر، هي اللقطة الاولى في حياتك السياسية... ماذا لو عاد التاريخ إلى الوراء هل ستلتقط اللحظة ذاتها بالاتجاه نفسه وتهتف بسقوط نوري السعيد؟ ألا ترى أن نوري السعيد أرسى ملامح الواقعية السياسية التي افتقدناها زمناً طويلاً، منذ حلول جمهوريات الخوف وهيمنة الشعارات الحماسية على حياتنا؟ كيف تقيّم السعيد سياسياً وانساناً بعد التجربة المريرة التي شهدها العراق؟
- البعد الزماني وتلاحق الهزائم وتصاعد أعمال القمع والارهاب وصعود الدكتاتورية بألوانها المختلفة، لا ينبغي أن ينسينا الواقع المرير الذي كان العراقيون يعيشونه، حيث الإرتباط بحلف بغداد وتكبيل الحريات وقمع كل صوت معارض، حتى إن كان كامل الجادرجي وهو شخصية وطنية ديمقراطية معتدلة أودع السجن، وتم سحب الجنسية العراقية عن كامل قزانجي وتوفيق منير وسفّرا إلى تركيا، وصدرت قرارات بسحب جنسية عزيز شريف وكاظم السماوي وعدنان الراوي وآخرين، وأودع في السجن المئات من النشطاء من خيرة بنات وأبناء الشعب العراقي.
إن الذي أسس لأحكام الاعدام في العراق كان نوري السعيد ذاته، بإعدام العقداء الأربعة فهمي سعيد ومحمود سليمان وكامل شبيب ويونس السبعاوي وسجن العشرات من المناصرين لحركة العام 1941 المعروفة باسم حركة رشيد عالي الكيلاني، كما تم إعدام قيادات الحزب الشيوعي يوسف سلمان يوسف (فهد) وحسين محمد الشبيبي (صارم) ومحمد زكي بسيم (حازم)، وآخرين لا يذكرهم الحزب الشيوعي مثل ساسون دلال ويهودا صدّيق العام 1949، ولعل الأجواء التي خلقها كانت وراء إغراق وثبة كانون بالدم، حين خرجت الجماهير احتجاجاً على معاهدة بورتسموث العام 1948، لاسيما في معركة الجسر الشهيرة، الأمر الذي أدى إلى إسقاط وزارة صالح جبر، كما أن نوري السعيد لم يكن بعيداً عن قمع انتفاضة تشرين العام 1952 وانتفاضة العام 1956، دعماً للشقيقة مصر، وهو الذي زوّر انتخابات البرلمان وقمع أي متنفس للحريات وأغلق الهوامش الصحفية التي ظلّت محدودة.
يمكنني القول أن العهد الملكي هو الذي حفر قبره بيده، وكانت سياسات نوري السعيد والوصي عبدالاله، هما السبب الأساس فيما وصلت اليه أوضاع البلاد وبعد أن انسدّت جميع الطرق إتّجه الجيش نحو الانقلاب العسكري، الذي سرعان ما تحوّل إلى ثورة بتأييد شعبي ساحق أغلق الطريق على الثورة المضادة وعلى بقايا النظام الملكي من الانقضاض، لكن هذه الثورة مثل غيرها قطعت خط التطور التدريجي الذي كان يمكن ولو ببطء شديد أن يستمر، ولولا اندفاعات نوري السعيد بالذات، لكن الهامش قد بقي أكبر، لكنه اختار طريق التشدّد والعزل والتهميش وحجب حق التعبير، وقد أخذ صدره يضيق بالتدريج من الآراء المغايرة فما بالك بالمعارضة. وكان يعتقد كغيره من الحكام الذين لم يتّعظوا ولم يأخذوا عبرة ودرساً بأنه ونظامه خارج نطاق التغيير، حتى أنه عشية اندلاع ثورة تموز (يوليو) 1958 كان قد صرّح من دار الإذاعة في بغداد " دار السيد مأمونة".
لكن ذلك لا يبرر أعمال العنف أو إعطاء شرعية للعسكريين للانتقال من الثكنات إلى منصّات السياسة، ولعل أول خطيئة للثورة هي إعدامها العائلة المالكة خارج نطاق القانون، ثم القيام بتعليق الجثث ومن ثم سحلها في الشوارع، في همجية وبشاعة منقطعة النظير. وعلى الرغم من أن الاندفاع كان سائداً وردود الفعل حادة، لكن هذا الأمر بحاجة إلى وقفة انتقادية حيث تم تأسيس العنف المضاد بعد الثورة، التي ابتدأت عهدها بالقتل والسحل، وكسواها من الثورات بدأت تأكل رجالها. وإذا كنتُ اليوم أميل للتطور والتراكم التدريجي، فإن الأمر لا يتعلق بالرغبات، خصوصاً عندما يحتدم المشهد ويصبح التغيير بالقوة أحياناً أمراً لا مفرّ منه، لكن القوة لا تؤسس الاّ لنقيضها قوة أخرى وهكذا .
وإذا كنتُ منخرطاً كما أشرتُ عاطفياً ووجدانياً وعائلياً وثقافة ومزاجاً ضد العهد الملكي، لكنني لا يمكن أن أنكر بعض إيجابياته، خصوصاً مقارنته مع ما حصل لاحقاً، وبقدر تطوّر العلم والتكنولوجيا تطوّر القمع أيضاً. أنقل هنا حواراً دار بين حسين جميل وإبن أخيه ماجد مكي الجميل الذي اعتقل في السبعينيات، ثم أطلق سراحه ودار الحوار التالي بينهما: قال العم حسين أن سجني أقسى من سجنك حتى لو كنت في قصر النهاية. أجاب ابن الأخ ولكن كيف يا عم فقد كانت تصلكم الصحف والمجلات ولديكم راديو، قال العم: ولو، فإن سجني أقسى، لأن النظام الذي سجنني يحتكم إلى دستور مهما قيل عن سلبياته وهي كثيرة، وهو منتخب حتى ولو تم تزوير الانتخابات، أي أن فيه شيء من الشرعية والممارسة القانونية، أما من سجنك فليس لديه مثل هذه الشرعية، وأن الذين سجنوك جاؤوا بانقلاب عسكري والدستور مؤقت وإرادة الحاكم هي الأساس.. ألا ترى كيف يحصل الأمر والمقارنة؟
وكنتُ قد استعرتُ موسوعة التحقيقات الجنائية التي صدرت العام 1950 وما بعدها من الاستاذ حسين جميل، في مطلع العام 1969 وهي تحتوي على إفادات واعترافات القيادات والكوادر الشيوعية، فأرسلها لي قائلاً: إذا كنتم قد قلبتم الدنيا على بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية في العهد الملكي واعتبرتموه "جلاّداً"، فعليكم اليوم لا الرحمة على روحه حسب، بل ذكره مع شيء من التبجيل والتقديس، لأن الزمن الحالي والقادم سيكونان عسيرين عليكم، وقد قصد بذلك تولّي ناظم كزار منصب مدير الأمن العام وشروعه بتعذيب المعتقلين وافتتاح سجن قصر النهاية،الذي استقبل أعداداً كبيرة من الشيوعيين بجناحيهم (أي القيادة المركزية واللجنة المركزية) والقوميين والناصريين والبعثيين اليساريين (جماعة سوريا) وآخرين.
وبالمناسبة وعلى الرغم من مساوئ العهد الملكي، لكن القسوة كانت أقل بما لا يُقاس، بل إنها مقننة، وبقيت بعض الاعتبارات التي لا بدّ من مراعاتها. يوم اعتقل عمي شوقي شعبان بعد تظاهرات العام 1956 تدخّل حينها متصرف كربلاء لإطلاق سراحه، بل إن قاضي التحقيق جاء بصحبة عمي د. عبد الأمير شعبان لهذا الغرض، وعلى الرغم من تحفّظ مفوض الأمن فقد اضطّر إلى الرضوخ، ولكنه كتب البرقية التالية إلى بهجت العطية: في الوقت الذي نلقي القبض على الشيوعيين الخطيرين، تلعب الواسطات دورها في إطلاق سراحهم!
وبعد نحو عام احتاج عمي شوقي إلى شهادة عدم محكومية لإصدار شهادة جنسية كما أعتقد، فأخذه خاله عبد الرضا شعبان عضو غرفة تجارة بغداد وهو نسيب بهجت العطية إليه لاستحصال الموافقة اللازمة، وإلتفت العطية إلى الشاب شوقي شعبان مازحاً حينها: لا تكَول (لا تقول) نحن رجعيين، وعملاء ، وسأطلعك على برقية مفوض الأمن، التي أشرت إلى مضمونها، ثم وضع توقيعه على الوثيقة التي يريدها مع علمه بانتمائه الشيوعي ونشاطه، هكذا كانت الأمور تسير.
ومع كل ذلك فإذا سألتني هل كان ينبغي تغيير النظام الملكي؟ سأجيبك نعم، لأن جميع الطرق أصبحت غير سالكة، وكان لا بدّ من الإطاحة بالنظام الملكي، خصوصاً بعد موقفه المخزي من العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر ومن ربط العراق بمشروع آيزنهاور وحلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وتحوّله إلى مصدر تآمر وعداء لكل ما هو تقدمي. أما إذا أعدت السؤال عليّ: هل كان يفترض أن تتم الاطاحة به بالسيناريو نفسه؟ فسأقول كلاّ وألف كلاّ، وإنني لا أبرر العنف من أي أتى، وكان لا بدّ من الاحتكام إلى القانون لكي يأخذ مجراه.
ولا زلت أتذكّر مشهد الأمير عبد الاله معلّقاً وعارياً من سطح أحد فنادق الكرخ، (قرب ساحة الشهداء) وكلّما مرّ ذلك بخاطري، أشعر بالحاجة للتقيؤ، ولعل موقفي من العنف كان سبباً آخر في خلافات لاحقة مدوّنة ومكتوبة مع قيادة الحزب الشيوعي، لاسيما إطلالتي على تفاصيل أحداث الموصل وكركوك، وهو الموقف الذي أقوله من باب النقد الذاتي دون مواربة أو تبرير ودون محاولة إلقاء كل شيء على الخصم، الذي يتحمل مسؤولية كبيرة وأساسية، لكن علينا أن نعترف بمسؤوليتنا أيضاً فيما حصل من ارتكابات.
وكنت قد ناقشت الأمر مطوّلاً مع عامر عبدالله، القيادي المخضرم ودوّنت ذلك لاحقاً في مطالعتي عنه وبعض حواراتي معه في مادة مطوّلة، لاسيما بخصوص هذه القضية وقضايا أخرى وستجد طريقها إلى النشر في وقت قريب، فضلاً عن مطارحات مع آرا خاجادور وباقر ابراهيم وهما من القيادات التاريخية للحزب الشيوعي إذا جاز التعبير، تضمّنت سجالات حول إشكاليات شيوعية ذات طابع تاريخي وذات قضايا راهنة ومستقبلية.
وإذا كنت قد هتفت آنذاك عاطفياً بسقوط حكومة نوري السعيد وأنا فتى يافع تأثّر بأجواء العائلة والثقافة اليسارية التي كانت تعيش في بيتنا، فإنني سأهتف هذه المرّة بوعي وإدراك ومسؤولية، ومثلما عارضت الحركة الوطنية حلف بغداد، فعليها بالقدر نفسه معارضة الإتفاقية الأمريكية- العراقية.
لكن ذلك لا يمنع من القول أن نوري السعيد كان سياسياً محنّكاً ومناوراً بارعاً امتلك دهاءً وحيلةً كبيرتين، لكنه دموي بالقدر نفسه، وجرّب ربط العراق بالغرب، الاّ أنه ليس رخيصاً إلى الحد الذي يجعله موظفاً لدى الدوائر الاستخبارية الغربية أو يعمل بصفة وكيل أو جاسوس فقد كان أكبر من ذلك بكثير، مثلما كانت تلك قناعاته، وكان لا يتوانى بالتعبير عنها، وخصومته كانت جريئة ولديه فروسية حتى في خلافاته، أما اليوم فهناك من يتحدث عن مشروع وطني، لكنه يعمل تحت الطاولة، بتوافق كامل مع الاحتلال، بل ويأتمر بأمرته، ولولا دعمه لما كنّا سنسمع عنه.
شخصياً أحترم من يقول أنه يرى مصلحة العراق بالتعاون مع الولايات المتحدة، وعلى الرغم من معارضتي لهذه الفرضية، فإنني لا أمتلك سوى النظر اليها من باب الاجتهاد السياسي، بعيداً عن التخوين أو التجريم، ولكننا نجد أحياناً من يتعامل بصفة أدنى، ففي حين يرفع نبرته بالتنديد، بعبارات غامضة ومبهمة، نراه بعد مقابلة مع موظف صغير في سفارة دولة متنفّذة يغيّر رأيه بالكامل. ولكنني في الوقت نفسه أعرف بعض السياسيين الذين يمتلكون وضوحاً وثقة بالنفس حين يقولون إن مصلحتنا في التعامل مع واشنطن، ويبررون ذلك، سواءً عندما كانوا في المعارضة أو حين أصبحوا في السلطة أو مشاركين في العملية السياسية، لكنني لا أشعر باحترام إزاء من ينفّذ ما تريده سرًّا، وبرفع صوته علناً بالضد من ذلك، والأمر لا ينطبق عليها، بقدر انطباقه على المشهد السياسي، بما فيه دور إيران ودول الجوار.
نوري السعيد سياسي سبق عصره، على الرغم من أن ذلك عصر كبار، مثل فاضل الجمالي وصالح جبر وأحمد مختار بابان وياسين الهاشمي وتوفيق السويدي وخليل كنّه وآخرين، مثلما كانت المعارضة والحركة السياسية والوطنية كبيرة بأسماء مثل فهد ومحمد رضا الشبيبي وكامل الجادرجي وجعفر أبو التمن ومحمد حديد وحسين جميل وعزيز شريف وعبد الفتاح ابراهيم ومحمد مهدي كبه وفايق السامرائي وصدّيق شنشل وهديب الحاج حمود وفؤاد الركابي وسعد صالح وابراهيم أحمد ومصطفى البارزاني وغيرهم.
ومهما قيل من سلبيات في العهد الملكي، فلم تنقطع لغة الحوار بينه وبين المعارضة الرسمية، وحتى المعارضة السرية كانت تجد لها بعض المنابر العلنية لإيصال رأيها. وفي حديث خاص مع عبد الفتاح ابراهيم في العام 1971 أو 1972 وبحضور موسى أسد الكريم قال: كنّا شباباً وذهبت أنا ومحمد زينل حين كنّا ندرس في بيروت وصباح نجل نوري السعيد، لزيارة نوري السعيد في مصيف برمّانا، حيث كان يقضي فترة إجازته في الصيف، وكان ذلك العام 1924، والكلام للمفكر الماركسي الكبير عبد الفتاح ابراهيم، وكان هدف الزيارة هو الاعتراض لدى السعيد على معاهدة العام 1922 الاسترقاقية، وإلتقينا في مكان سكنه وكان يلبس الدشداشة البيضاء وبيده كأس العرق " الزحلاوي" وسألته لماذا لا ينسحب العراق من المعاهدة ويلغيها؟ فشرح لي السعيد مبررات قبول المعاهدة حتى ولو كان فيها بعض الإجحاف، خصوصاً والعراق يخرج من التبعية العثمانية، وهو بحاجة إلى حليف قوي، ويعتقد أن بريطانيا بشكل خاص والغرب بشكل عام هما حليفه القوي، وكلما تأسست وترسخت الدولة العراقية، يمكن للعراق أن يعيد النظر ببعض الجوانب، كما لم يكن يخفي مصلحة العراق في التحالف مع بريطانيا.
يقول عبد الفتاح ابراهيم وهو مؤسس جماعة الأهالي العام 1932 مع عبد القادر اسماعيل وحسين جميل ومحمد حديد، ثم انضم اليها الجادرجي وأبو التمن، وهو كاتب رسائل الشعبية العام 1933، لم أكن مقتنعاً بكلام السعيد واعتبرته من باب التبرير، وقد اختتم السعيد كلامه، مع رشفة عرق بالقول: تكبرون وتعقلون وتتعلمون، وهو ما اقتبسته عند حديثي عن الاتفاقية العراقية – الأميركية، بالقول، يبدو أن بعضنا قد كبر وعقل وتعلّم، والبعض الآخر كبر وعقل ولم يتعلّم، وهنا زاوية النظر تختلف برؤية مصالح العراق إذا كان هناك صدقية وجرأة.
أعتقد أن كلام نوري السعيد وإن كنت أخالفه، لكنني أرى أن فيه قدراً من الصدقية والقناعة والرقي، على عكس التبريرات الواهية التي قيلت حول الاتفاقية العراقية- الأميركية، التي لا يزال البعض يتشبث بها باعتبارها مكسباً أو إنجازاً، وسنرى كيف سيتم التصرّف بحيثياتها بعد الانتهاء منها سواءً بالانسحاب الفعلي أواخر العام 2011 أو الابقاء على قواعد عسكرية وقوات مؤهلة، بطلب من الحكومة العراقية لغرض استكمال مهمات التدريب والتأهيل للجيش العراقي أو لمواجهة التحديات الخارجية وحماية حدود البلاد، أو بالتوقيع على اتفاقية جديدة تكرّس " الاحتلال التعاقدي" بعد الانتهاء من " الاحتلال العسكري" وهي طريقة متّبعة و"قانونية" حيث توجد أكثر من 143 قاعدة أميركية خارج حدود الولايات المتحدة، من كوبا الثورية إلى ألمانيا الأوروبية ومروراً بدول الخليج العربية، وصولاً إلى كوريا والفيلبين الآسيوية، ناهيكم عن قواعد ممتدة في البحر وفي المحيط مثل ديغوا غارسيا وغيرها.
أتذكّر أنني زرت عبد اللطيف الشوّاف (الوزير في عهد عبد الكريم قاسم والقاضي المعروف) في القاهرة (مطلع العام 1971) عندما كنت أحضر ندوة احتفالية بمناسبة ميلاد جمال عبد الناصر (15 كانون الثاني/يناير) أي بعد ثلاثة أشهر ونصف تقريباً من وفاته، وكان قد زاره أحد السعوديين وأحد الأردنيين، وعلى الرغم من حذره قال معلّقاً ومقارناً بين أوضاعهم وأوضاعنا، ولكن أترون كيف حالنا وماذا حلّ بنا بعد القضاء على الملكية، وخاطبهم: "جلجلوا" على ملككم، وعندما استفسرا منه عمّا تعني كلمة "جلجلوا" أجابهم (أي حافظوا عليه) لكي لا تنتقل عدوانا إليكم، وضحك الجميع، وبعد مغادرة ضيوفه سألته أكان بإمكاننا الحفاظ على الملكية، أم أنها هي التي لم تحافظ على نفسها، لاسيما اندفاعات نوري السعيد وسياساته المعادية للشعب؟ فعلّق قائلاً هنا المشكلة! ولعل هذا ما استعدته مع القيادي البعثي السابق والقيادي الناصري لاحقاً عبدالله الركابي، وكذلك مع السياسي فيصل فكري.
الشيوعيون وقاسم
* أريد تحليلك على ضوء ترتيب الأحداث تاريخياً لقضية ارتباط الشيوعيين العراقيين بحكومة قاسم منذ أيامها الأول من المسؤول عن تقويض هذه العلاقة؟مالذي تحمله الشعب العراقي من جرّاء هذه العلاقة التي تفاوتت في مناسيبها تقدّماً وانحساراً ؟ هل استخدم قاسم أسلوب المكر في توظيف الشعبية والجماهيرية التي امتلكها الشيوعيون في تلك اللحظة؟ هل كانت مسارات تلك العلاقة مقدمة لما حدث في صبيحة الثامن من شباط؟ وهل كان بالامكان لو طال العمر بقاسم وحكومته أن يسلّم أمور البلاد إلى صناديق الاقتراع والقادة التكنوقراط، علماً بأن وزارته الاولى تشجّع على مثل هذا الاعتقاد ؟كيف تقيّم الاجراءات التي قامت بها حكومته على المستوى الاجتماعي وظهور طبقات فقيرة إلى السطح؟هل كان قاسم واعياً لخطر الطائفية والتعصّب القومي الذي سيتفجر لاحقا بعد موته؟
- أطاحت ثورة 14 تموز (يوليو) النظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية ، وكان الحزب الشيوعي من الأحزاب التي هيّأت للثورة أو شاركت في التحضير لها مثله مثل الأحزاب الأخرى، على نحو مباشر أو غير مباشر وبدرجات متفاوتة بالطبع مع نفوذ كل حزب ودوره، وكان كادره القيادي قد اطّلع على بيان صدر عن الحزب يوم 12 تموز (يوليو) يلوّح فيه إلى احتمال قيام أحداث مهمة ويوصي بالاستعداد لها ورفع درجة اليقظة، وعندما اندلعت الثورة وجد الحزب نفسه سبّاقاً إلى تأييدها في الشوارع والساحات ومعه الأحزاب الأخرى، على الرغم من درجة تعبئتها كانت أدنى كثيراً، وكان لمثل هذا التأييد الشعبي أن يؤدي إلى قطع الطريق على رجالات العهد الملكي ومنعهم من القيام بحركة مضادّة، كما أنه يكون قد قطع الطريق أمام التدخلات الخارجية، على الرغم من إنزال القوات الأميركية في لبنان والقوات البريطانية في الاردن، لكن إلتفاف الشعب وفيما بعد دعم حكومة الجمهورية العربية المتحدة وحكومات البلدان الاشتراكية، لاسيما الاتحاد السوفيتي أحبط أية امكانية للانقضاض على الثورة.
ومنذ الأيام الأول احتدم النقاش الداخلي، لاسيما بين أطراف جبهة الاتحاد الوطني التي تأسست في 7 آذار (مارس) 1957، حول شعارات الوحدة والاتحاد، فحزب البعث إندفع باتجاه "الوحدة الفورية" وهو ما يذكره عدد من قادته مثلما هو خالد علي الصالح وهاني الفكيكي وستار الدوري وعلي صالح السعدي وطالب شبيب، وتسنّى لي محاورة بعضهم بشكل مطوّل ومعمّق، وكان الرأي السائد أن ميشيل عفلق بعد زيارته إلى بغداد وبقائه في فندق بغداد، كان قد حسم الأمر برفع شعار الوحدة العربية، في حين أن الشيوعيين، لاسيما عامر عبدالله وعزيز الحاج وسلام عادل وجمال الحيدري وبهاء الدين نوري وآخرين ، كانوا قد رفعوا شعار الاتحاد الفيدرالي وروّجوا له، وتسنّى لي حوار عدد منهم أيضاً وكان الطرفان أحدهما يستفزّ الآخر بطريقة صبيانية أحياناً، أو على أقل تقدير غير عقلانية، واندفع داخل الطرفين تيار إستئصالي، إلغائي، تهميشي، ونسي الجميع ميثاق جبهة الاتحاد الوطني، ولعل ما كتبه العديد من قيادات أحزاب تلك المرحلة تعكس التوجهات السائدة ودرجة الاستقطاب والتنافر.
وأظن أن الحركة الوطنية بأطرافها الأساسية، انقسمت حول هذين الشعارين، فالحركة الكردية مالت إلى شعار الاتحاد الفيدرالي ومعها أوساط من الحزب الوطني الديمقراطي، وما سمّي بالجناح اليساري الذي قيل أن كامل قزانجي يمثله وهو الذي استشهد العام 1959 في أحداث حركة الشواف في الموصل، كما مالت حركة القوميين العرب وبقايا حزب الاستقلال وبعض الشخصيات القومية الأخرى إلى شعار الوحدة العربية مع الجمهورية العربية المتحدة، وهو ما كان حزب البعث يطرحه.
وكان هذا الانقسام عمودياً ومركزياً، من القمّة إلى القاعدة، وفي حين انحاز أحد قادة الثورة العقيد عبد السلام عارف إلى شعار الوحدة وألقى عدداً من خطبه الرنانة في عدد من المدن والمحافظات العراقية، كان الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء أقرب إلى شعار الاتحاد الفيدرالي، وقلْ إنه لم يكن مع شعار الوحدة الاندماجية المطروح.
- يتبع -
|
حوار مع الأكاديمي والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان -5
|
|
|
|
قيادةالحزب أستطيع القول من باب النقد الذاتي وليس افتئاتاً على أحد، أن الحركة الوطنية بقضّها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنّياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أوحركة سيرك بكل الاتجاهات.
لقد عشعش مرض الطفولة اليساري لدى غالبية أطراف الحركة الوطنية وأعني بذلك نهج التهميش والعزل والإقصاء والاستئصال، فالبعثيون والقوميون استقووا بالجمهورية العربية المتحدة وبالرئيس جمال عبد الناصر وببعض قادة الجيش وانضمّ إليهم بعض القوى المخلوعة والمتضررة من الثورة، وحاولوا المرّة تلو أخرى الانقضاض على الحكم الجديد، سواءً بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف أو بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد (رأس القرية) ببغداد وصولاً إلى انقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963.
والشيوعيون ومن حولهم استقووا بالشارع وأصبحوا ينظرون للآخرين من خلال مواقعهم بغرور أحياناً وبعسف أحياناً أخرى، لاسيما باختلال المعادلة بين قمة السلطة وقاعدتها، فعلى الرغم من تمثيل جميع القوى الوطنية بحكومة الجمهورية الأولى، الاّ أن الحزب الشيوعي أستُثني منها، وهو الأطول عمراً، والأكثر تضحية والأصلب عوداً في محاربة النظام الملكي، لكن حصته من مناصب ما بعد الثورة كانت محدودة في السلطة، وإلى حين استيزار د. نزيهة الدليمي بعد احتدام الصراع مع القوميين والبعثيين، لم يكن أحد يمثّله في الوزارة، بما فيهم ابراهيم كبة أو غيره في حين كان حسين جميل وهديب الحاج حمود يمثّلان الحزب الوطني الديمقراطي وقبل ذلك محمد حديد، وكان صدّيق شنشل يمثل حزب الاستقلال وكان فؤاد الركابي يمثل حزب البعث، أما الحزب الشيوعي فقد أستبعد في بداية الأمر، ثم ضمّ لاحقاً.
كما أن مواقف الحزب الشيوعي كانت متناقضة أحياناً، فبدلاً من يفكّر بالاستيلاء على السلطة، استولى على الشارع وحاول احتكار العمل السياسي والنقابي تحت شعارات "لا حرية لأعداء الشعب"، و"لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية"، الأمر الذي جعله في تناقض آخر بينه وبين السلطة، متجهاً نحو اليسار إزاء الشارع، ومتوجهاً نحو اليمين إزاء الموقف من السلطة، باستعارة توصيفات الستينيات.
أعتقد بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي للثورة وحرصها عليها، فإنها لم تكن على قدر من الوعي يؤهلها لرؤية متطلبات تطوير الثورة بالتعاون مع القوى الوطنية على برنامج حد أدنى، وعلى الرغم من اندفاعات القوى الأخرى وتكتّلها للإطاحة بحكم قاسم وفي فترة مبكرة زمنياً، لكن الممارسات السلبية للاستحواذ على الشارع وعزل الآخرين قادت إلى أحادية ومحاولة تزعّم، بعد انفضاض جبهة الاتحاد الوطني، التي كان يمكن تجديد برنامجها بما يستوجب لمرحلة ما بعد الثورة، لكن جميع القوى لم تكن مدركة وواعية لما أقدمت عليه.
ومرّة أخرى أقول: إنه بقدر إخلاص قيادة الحزب الشيوعي ولاسيما قيادة سلام عادل ونبله واستشهاده لاحقاً، فإن المرحلة السياسية وسياقها التاريخي، لم يؤهلاه ليتخذ مواقف أخرى، فذلك كان حدود مستوى التفكير السائد، فارتكب العديد من الأخطاء والممارسات السلبية وأعمال العنف والإرهاب، لاسيما ما حدث في الموصل وكركوك، وبقدر مسؤولية القوى الأخرى، كانت كبيرة جداً، الاّ أنه لا ينبغي التقليل من المسؤولية التي تقع على الحكم والجماعات القريبة منه، لاسيما الحزب الشيوعي، الذي كان عليه أن لا يلعب دور الشرطي لحكومة يمكنها أن تسائله على ارتكاباته حتى وإن سكتت عنها، ناهيكم عن أن الارتكاب مدان بالأساس ومرفوض لإعتبارات سياسية وإنسانية وأخلاقية، وتحت أية مبررات، وقد رويت في مطالعتي عن عامر عبدالله الكثير من الحوادث التي يمكن الرجوع اليها.
ولعل هذا الموقف تكرر لاحقاً حين حمل الحزب الشيوعي السلاح ضد الحركة الكردية في فترة احتدام الصراع الكردي – الحكومي وذلك عشية انهيار التحالف الكردي- البعثي في العام 1974، وعندما انتهت المهمة التي أنجزت لصالح حكومة البعث، عاد الحزب الشيوعي وسلّم أسلحته بكل "ممنونية" للسلطة، التي لم تدّخر وسعاً في ملاحقة الكرد تحت باب " الجيب العميل". وعلى درجة أدنى كان موقفنا سلبياً من حركة خان النص العام 1977، التي اندفعت فيها جماهير ساخطة في النجف وكربلاء ضد حكومة البعث، فوقفنا ضدها، بل طالبت جريدة الحزب الرسمية " طريق الشعب" المزيد من الحزم ضد المؤامرة الرجعية المشبوهة، وليس ذلك سوى تحريض لأعمال عنفية، كانت الحكومة لا تحتاج إلى من يحرّضها عليها، فدارت عجلة الإعدامات وشملت 8 مواطنين، وأنزلت عقوبات غليظة بحق عشرات واعتقل المئات بتهمة الانتماء إلى الحركة الاسلامية، وذلك في أجواء بوليسية مرعبة، عادت بالضرر علينا، فبعد الهجوم على ما سمّي " إنتفاضة صفر" بعدّة أشهر، بدأ الهجوم ضد الحزب الشيوعي دون أن نجد من يقف معنا، فقد كنّا آخر حليف، و"لآخر قطرة" لحزب البعث!
كانت قيادة الحزب الشيوعي قبيل الثورة قد تمرّست في النضال والتضحيات في ظروف العمل السري، وحققت إنجازات مهمة منها توحيد الحزب العام 1956 وقيادة انتفاضة العام ذاته تضامناً مع الشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، ثم تشكيل جبهة الاتحاد الوطني التي كان للحزب دور فعّال فيها العام 1957، ثم الاتصال بمنظمة الضباط الأحرار، ومع قيادة الثورة تحديداً من قبل رشيد مطلك (الوسيط) بين الحزب وقاسم، وعقد اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، بعد رفض أحزاب الجبهة قبوله عضواً فيها بسبب مواقف بعضهم من القضية الكردية.
لكن العمل العلني فاجأ قيادة الحزب، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والادارة، ناهيكم عن الأعداد الغفيرة التي إنخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرّفت بطريقة غير موحدة، وببرنامج غير موحد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدد، وتقاذفتها اتجاهات شتى، فمن جهة هناك تيار أقرب إلى قاسم مثّله عامر عبدالله وما سمي "كتلة الاربعة" لاحقاً التي ضمت زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين أبو العيس، وتيار آخر بقيادة الأمين العام سلام عادل وجمال الحيدري عضو المكتب السياسي، الأمر الذي عطّل بعض قرارات اللجنة المركزية وأدخلها في صراعات جانبية كثيرة.
كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاثة روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمّت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد وآرا خاجادور وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في أوكار حزبية، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنّياً إلى حدود كبيرة، ناهيكم عن نظرة ستالينية جامدة إلى الحياة والمجتمع والتقدّم، كلّ ذلك أفرز تشدّداً وتطرّفاً مثلماً كان لدى الأخرين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة، هي معركة كسر عظم، وعليهم أن يتخلّصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن يتغدّى بالفريق الأخر بدلاً من أن يتعشى به.
في هذه الأجواء لعب قاسم لعبته، فبعد تقريب الحزب الشيوعي واستثماره "ماشة نار" للقضاء على خصومه في الجيش، لاسيما عبد السلام عارف، خصوصاً بحشوده المليونية وجماهيره الغفيرة وشعاراته الرنانة،لكنه استشعر الخوف منه لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو تظاهرة الأول من أيار (مايو) 1959 والمطالبة: "الحزب الشيوعي بالحكم" للضغط على قاسم لتمثيل الحزب الشيوعي، ثم تنكّر واستنكر الحزب وقيادته بعد اجتماع موسع للجنة المركزية هذه السياسة وشعاراتها.
والسبب الثاني ما حدث في الموصل من أعمال قمع وتنكيل أعقبت حركة الشواف واتّهم بها الحزب الشيوعي لاسيما "محكمة الدملماجة" الشهيرة حين تردد إسم "عبد الرحمن القصاب"، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل أنه كان يستلم التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري (عضو اللجنة المركزية)الذي كان موفداً من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة.
أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار/مارس/1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سمّيت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيكم عن أعمال عنف واعتقالات وتعذيب، ثم إنقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرّده ضد حكم قاسم.
والسبب الثالث أحداث كركوك التي استفزّت عبد الكريم قاسم، فوصفها بالفوضوية في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف، ويومها قال قاسم أن تلك الأعمال تذكّر بأعمال هولاكو، ولعل اندفاع الحزب الشيوعي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، في صراع مع التركمان، لم يكن له من مبرر، الأمر الذي يعزوه البعض إلى أن قيادة منظمة كركوك للحزب من الكرد، بما يضفي على الصراع بُعداً قومياً، لاسيما في ظل بعض المشكلات والحساسيات في الماضي، تلك التي أصبحت تعبيراتها اليوم مختلفة، وإن كان جزء منها يعود إلى الماضي.
وعلى الرغم من التبريرات التي قيلت عن التدخلات الخارجية ودور مشبوه لشركات النفط، لكن سقوط ضحايا والقيام بارتكابات ليست بمعزل عن مسؤولية القوى المتنفّذة، لاسيما القريبة من الحكومة، دون استبعاد أن بعض القوى الرجعية كانت جزءًا من المشكلة، لكن الأمر تجاوز ما حصل في تظاهرة 14 تموز (يوليو) العام 1959، الأمر الذي لم يتم التوقف عنده ونقده على نحو جريء، وقد ساهمت أحداث كركوك الدموية في سوء العلاقة بين قاسم وبين الحزب الشيوعي وإلى حدّ ما بينه وبين الحركة الكردية.
يومها شعر قاسم بالغرور والقوة أيضاً، وتنكّر لوعوده بإنهاء الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات وسنّ دستور دائم، وقد أدرك بحسّه الاحترازي وخشيته الأمنية أن الحزب الشيوعي القوي يمكن أن يهدد مواقعه فحاول إضعافه بعد إضعاف حزب البعث قبله، فضلاً عن ضعف الحركة القومية العربية عموماً، واستدار لشق الحزب الوطني الديمقراطي، يوم خرج محمد حديد نائب رئيس الحزب واستقل بحزب جديد إسمه "الحزب الوطني التقدمي"، وعندها شعر كامل الجادرجي بأن الطريق إلى التغيير الحقيقي بات صعباً، فجمّد حزبه .
كما أجاز قاسم مجموعة صغيرة بإسم الحزب الشيوعي بقيادة داود الصائغ ومنحها ترخيص إصدار جريدة " المبدأ"، في حين أغلقت اتحاد الشعب صحيفة الحزب الشيوعي الرسمية بالتدريج، حيث جرى حرمان سكان بعض المناطق من توزيعها إلى أن تم حجبها عن الصدور، فتحوّلت إلى جريدة سرية باسم " طريق الشعب"، وفي واقع الأمر ظلّت الحركة السياسية تراوح في مكانها، فالحزب الديمقراطي الكردستاني تحوّل إلى العمل المسلح بثورة ايلول (سبتمبر) 1961 بعد أن تعرّضت مناطق بارزان إلى القصف والحزب الجمهوري الذي أسسه عبد الفتاح ابراهيم والجواهري، أصبح يافطة، والحركة الاسلامية، على الرغم من تقدّمها للحصول على ترخيص لتأسيس حزب بإسم " حزب التحرير" وهو واجهة للأخوان المسلمين، ظلّت شكلية، كما أن الحركة الاسلامية الممثلة في جماعة العلماء وحزب الدعوة وتيار المرجعية الشيعية الممثل بالسيد محسن الحكيم، كانت مجرد ارهاصات سياسية في المشهد القائم، قبل أن تتبلور كتيار محدد في الوضع السياسي، ولعل الاعلان عن ذلك تم بإصدار الحكيم فتواه الشهيرة في مطلع العام 1960 والتي حرّمت الانتماء إلى الحزب الشيوعي، معتبرة "الشيوعية كفر وإلحاد".
كان عبد الكريم قاسم بقدر وطنيته سياسياً فاشلاً، فقد اتّجه بالحكم نحو الفردية والارتجال وتدريجياً أصبح دكتاتوراً فردياً، وإذا كانت النزعة الثأرية، الانتقامية، الكيدية قد سادت بعد الثورة، لاسيما من خلال محاكمات المهداوي لأقطاب العهد الملكي، لكن قاسم وخصوصاً بعد الأحداث الدموية في الموصل وكركوك بدى أقل دموية، بل أصبح ميّالاً إلى التسامح " عفا الله عما سلف"، حيث أطلق سراح الرئيس عبد السلام عارف بعد الحكم عليه وأطلق سراح من شارك بمحاولة اغتياله وإطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد. لكن سياسته أدّت إلى تقسيم الحركة الوطنية ودفعت بها إلى التناحر بين أطرافها، وأظنّ أن الخطأ بل والخطيئة التي وقع بها هي إعدام الجنرالين ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري، وهما من قادة الثورة، وذلك بعد حركة الشواف في الموصل، علماً بأنهما لم يكونا مشاركين في محاولة التمرد تلك، وقد يكون ذلك الأمر هو الذي دفعه للتفكير بطريقة مختلفة، لاسيما إزاء العقوبات الغليظة .
وإذا كان قاسم عابراً للطائفية، لكنه لم يضع حداً للظاهرة، التي تضمنها قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924، وكان يُفترض تعديله أو سنّ قانون جديد يكرّس المواطنة المتساوية، ومنح من كان القانون يستثنيه الجنسية العراقية على نحو متكافئ، مثل الأكراد الفيلية وغيرهم، من الذين حُرموا منها وهم مولودون في العراق أباً عن جد، لكنه لم يفعل ذلك، على الرغم من أنه تصرّف على نحو بعيد عن الطائفية التي انحسرت تأثيراتها كثيراً، سواءً في الوظائف العامة، لاسيما الحساسة منها أو في الجيش، وهو أمر يُحتسب له.
وإذا كان قاسم حساساً إزاء أوضاع الفقراء وسعى إلى تمكينهم، ببناء بعض البيوت لهم، وحاول إعمار بغداد وإعادة هندستها، لكن البنية التحتية ظلّت قاصرة، حتى أن مدينة الثورة التي خطط لها لتضم نحو 60 ألف عائلة بنى لهم دوراً فيها بعض المستلزمات الأولية قياساً بمناطق السكن العشوائي التي كان يعيشون فيها، الاّ أنها افتقرت إلى بعض الأساسات الضرورية كدورات الصرف الصحي وغيرها، واتّسعت المدينة التي ضمّت مهاجرين من الريف، لاسيما من ريف الجنوب إلى بغداد، لتصل اليوم إلى أكثر من مليونين يعانون ما يعانيه سكان مدينة لا تتسع إلى أكثر من 60 ألف عائلة، في حين تجلس المدينة على بحيرة من النفط والذهب الأسود، كما يقول الجيولوجيون.
باختصار لم يكن لقاسم أي مشروع للتغيير الداخلي، لاسيما بعد منجزات الثورة في العام الأول، وخصوصاً الخروج من حلف بغداد ونظام الكتلة الاسترلينية وإبرام معاهدات واتفاقيات اقتصادية مع الدول الاشتراكية، وحتى القوانين والقرارات التي إتّخذها بشأن مسألة النفط وغيرها، ظلّت عائمة في ظلّ سياسة التفرّد بالحكم ومعاداة جميع القوى الوطنية، ناهيكم عن التخبّط بخصوص قضية مطالبته بالكويت أو موقفه من الحركة الكردية.
وأظنّ أن ما عاناه العراق من فترة حكم قاسم تركت انطباعاتها على العقود الخمسة ونيّف اللاحقة، حتى أن البعض ما يزال يفكّر ومن جميع الأطراف بعقلية العام 1959 وما بعده (لاحظ ما ينشر أحياناً)، لاسيما التناحر والانشقاق الذي حصل في صفوف الحركة الوطنية العراقية.
لم يكن عبد الكريم قاسم كعسكري وضمن سياق مرحلته التاريخية يؤمن بصندوق الاقتراع، ليس هو
فحسب، بل الغالبية الساحقة من القوى السياسية. ولربما الاستثناء في ذلك هو كامل الجادرجي والحزب الوطني الديمقراطي، وعبد الفتاح ابراهيم وعدد من الشخصيات الوطنية، وحتى الانتخابات التي فرضت على قاسم بعد الثورة في قطاعات الطلبة والمعلمين والمحامين والمهندسين والاقتصاديين ونقابات العمال وغيرها، فقد حاول تطويعها لمقتضيات السلطة والتلاعب بنتائجها والتدخل بشؤونها، وقد ضاق صدره في السنتين الأخيرتين إلى حدود كبيرة ولم يعد يثق بأحد وكان يشعر أن الجميع يتآمر عليه، مثلما كان واهماً بأن أية مؤامرة ستواجهه ستحبط، وبسبب ذلك استحكم يوم 8 شباط (فبراير) 1963 في وزارة الدفاع ورفض تسليم السلاح للشيوعيين الذي أرادوا الدفاع عنه، خوفاً منهم، واعتقاداً منه بأن المؤامرة ستحبط لا محال، لكنه عندما شعر في اليوم الثاني (9 شباط/فبراير) أنه ظلّ محاصراً في وزارة الدفاع، التي تم قصفها وافق على تسليم نفسه، محتفظاً برباطة جأشه وحاور من اعتقله بمن فيهم عبد السلام عارف وقبيل اعدامه بمنطق رصين ولغة سليمة وواثقة .
وكان قاسم يأمل أن يتم العفو عنه، لكن القيادة البعثية، ومن معها من الشخصيات العسكرية المجتمعة في دار الاذاعة في الصالحية ببغداد (مدنيين وعسكريين) قررت بعد محكمة صورية إعدامه، ولم يكن هناك من صوت واحد قد ارتفع أو حتى طلب التأجيل أو تقديمه إلى محكمة قانونية، وذلك ما أخبرني به عدد من الذين كانوا قد حضروا تلك اللحظات، وعندما سألهم الرئيس الأسبق أحمد حسن البكر عن رأيهم، كان الجميع قد قالوا رأيهم بإعدامه، وقد واجه عبد الكريم قاسم الموت بشجاعة ورفض أن يتم عصب عينيه.
اسباب السقوط ومع نزاهة قاسم الشخصية ونظافة يده الاّ أن سياساته كانت تدميرية، وهو ما حصدناه في وقت لاحق بصعود حكومات دكتاتورية ونزاعات دموية، لدرجة أن صديقنا الكاتب والروائي الساخر شمران الياسري المشهور بإسم "أبو كاطع"، قال وهو يصف الحكم في السبعينيات وبين الجد والهزل، انه نوع من "الفاشية الريفية" أو "الفاشية البدوية"، لاسيما تشابك الحكم بالبزنس، سواءً بإسم القطاع العام أو بإسم الانفتاح لاحقاً، حيث هيمن على السلطة والاعلام والمال والتجارة الخارجية والداخلية، والاستيراد والتصدير والثقافة والرياضة والسياحة وكل شيء!! وليس غريباً أن تصنّف بعض التصرفات والسلوك التسلطي، باعتباره "فاشية دينية" على ذات طريق أبو كَاطع حين لا يجد تفسيراً ضمن المنطق الكلاسيكي، خصوصاً إستقواء جماعة بفرض حكمها وطريقة عيشها ومنهجها على الآخرين بإسم "الاسلام السياسي"، في سياق لا علاقة له بالدين الإسلامي وتعاليمه السمحاء ومثله السامية وقيمه الأصيلة.
يمكنني القول أن هناك أربعة أسباب أساسية أدّت إلى الإطاحة بنظام قاسم: السبب الأول مطالبته بضمّ الكويت في العام 1961، وهذه أشبه بحكاية مشؤومة دفع العراق ثمنها لاحقاً بمغامرة صدام حسين العام 1990 بغزو الكويت، الأمر الذي ساهم في تدمير العراق وفرض حصار دولي عليه دام 13 عاماً، ومن ثم احتلاله في العام 2003، وقد كانت مطالبة قاسم تعني فيما تعنيه اللعب لتغيير الجيولوليتيك في منطقة ستراتيجية وغنيّة بالنفط وجزء من مناطق نفوذ القوى الغربية، وهو أمر غير مسموح به، بل محرّم في إطار السياسة الدولية.
السبب الثاني إصداره قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي منح المرأة بعض حقوقها فيما يتعلق بالإرث وغيرها، فسخّرت الأوساط الدينية والتقليدية والرجعية كل قواها ضده وعملت للإطاحة به. وقد جرت محاولة خلال مجلس الحكم الانتقالي للإطاحة بالقانون الذي هو مجمد من الناحية العملية، وتم التصويت على إلغائه، لكن بريمر الحاكم المدني الأمريكي في العراق لم يصدّق على ذلك، وطلب إعادة مناقشته والتصويت عليه، فكانت النتيجة الإبقاء عليه. وقد استثمرت الجماعات القومية فتوى السيد محسن الحكيم "الشيوعية كفر وإلحاد" فحشدت القوى ضد نظام قاسم والشيوعيين، لاسيما في إطار غطاء ديني.
والسبب الثالث- إصدار القانون رقم 80 لعام 1961 بخصوص استعادة 99 % من الأراضي العراقية من شركات النفط الاحتكارية، بحجب "حقها" بالتصرف غير القانوني في التنقيب. وقد فتح هذا القرار معركة ضارية ضده وتآمراً لا حدود له على نظام قاسم من جانب القوى الاستعمارية، التي تلقّت ضربة أخرى عند تأميم النفط العام 1972، الأمر الذي جعلها لا تستكين ولا تستسلم حتى تم إلغاء نتائجه على الرغم من أن موارده ذهبت لمغامرات عسكرية وأجهزة أمنية وثم تبديدها بشكل لا عقلاني، وزاد الأمر عندما تعرضت بعد العام 2003 للسرقات وعمليات النهب والابتزاز.
والسبب الرابع حرب قاسم ضد الثورة الكردية التي بدأت في 11 أيلول (سبتمبر) 1961 بشروعه بقصف مناطق البارزانيين، الأمر الذي فتح معركة مع الأكراد، وقبلها بالطبع كانت معركته مع نظام عبد الناصر والقوميين والبعثيين، ناهيكم عن تدهور علاقته مع الحزب الشيوعي وملاحقة قياداته وكوادره.
كل ذلك مهّد للإطاحة بقاسم في 8 شباط (فبراير) العام 1963 ومعه أطيح بما تبقى من مكتسبات الثورة. جدير بالذكر أن عدم حل القضية الكردية بشكل عادل ويلبي طموحات الكرد، كان أحد أسباب ضعف الدولة العراقية واختلالها منذ تأسيسها، وكان عامل هدر وإنهاك للأنظمة العراقية الملكية والجمهورية |
|
المصدر- جريدة الناس العراقية